في مقهىً خفيف الظل، أرتاده بين الحين والآخر، أتسمر على كراسيه لساعاتٍ تأخذني فيها الأفكار، كموج بحر يتلقف مركباً متهالكاً، كان ذلك اليوم مختلفاً بعض الشيء. عادةً، كانت تلقي بي الأفكار إلى حيث صراعاتي التي طمرتها تحت أطنانٍ من الغربة والنسيان، كانت تأخذني هناك وتحرك بين ضلوعي آلاماً من مزيجٍ من الحرقه والحنين والسخط والامبالاة، وكنت أحياناً أستسلم لها، وأحياناً أخرى أهرب منها للعالم الافتراضي بحثاً عن ضحكه أو فكره أو حتى عن فكٍ سقطت أسنانه لألجأ إليه. ذلك اليوم، دَخَلَتْ بحلّتِها وسُمرتها، بشعرها الداكن، وقوامها الريحانيّ، كأنها تأخذ أولى خطواتها نحو عشرينيات عمرها، تحمل حقيبة يدها وأوراقاً اهترأت من كثرة الحواشي المنحوتة على جنباتها، وكثرة الثني والتنقل، وتكرار التعثر على سلالم استيعاب سمرائي واستقراءاتها. من مجلسي الذي يملأ زاوية المقهى، أطل على أغلب رواده، لكن تلك السمراء اختارت الجلوس على طاولة تجاورني، جلسة باتجاهٍ يمكِّنني من مراقبة صفحة وجهها اليسرى.
أنا من مجلسي خلف شاشتي، كنت أتردد ما بين مطالعة الكلمات على صفحة وجهها، في نظرة كالبرق أخطفها، والغوص في أقوالٍ وأخبارٍ ترسوا بعيداً عن مساحة إدراكي الاختيارية، كانت هي تلقي بنظرةٍ تجاهي بين الفينة والأخرى، ثم تعود لرزمة أوراقها المعذبة، ترتشف من قهوتها وسيجارتها وسخطها الجليّ على ما تدرس، نظراتها العابرة لا تحكي شيئاً، ولا يمكن حتى لموهمٍ مثلي أن يجد فيها أي محتوى. ببساطه، وجهي الذي نحتت عليه السنون القليلة، علاماتٍ عميقة وقاسية وعابسة، كان يثير فيها بعض الفضول لا أكثر.
أتى رفاقي ورحلوا، وأتى رفاقها ورحلوا، وكل ما تخلل ذلك من أحداث كان اعتيادياً، باستثناء وجودها المريح اللافت في مرمى بصري. وفي لحظة ما، خلال ذلك الوقت، استقام أحدهم - عرّف عن نفسه "كوميدياً" - ووقف يعرض مادته للجمهور، استرعاني وجوده ومحتوى مادته، وردود الأفعال على ما ألقى، فأخرجت هاتفي وأخذت أصور، هي التفتت، وهو كان يقف بجوارها، ولم تعلق أو تأتِ بأدنى ردة فعل، لكنها بعد انتهاء العرض، التفتت إليّ وأطالت نظرتها، وكأنها تسألني رأيي بما رأيت، أنا ابتسمت ابتسامة صغيره، لكنها وبكل صدق لم تكن مصطنعه كأغلب ابتساماتي، فابتسمت لي، وكأنها تقول أنه كذلك أعجبها.
ابتسامتها البريئة الشقيه، تلاعبت بمحتوى أفكاري، وتقلبات مزاجي ذلك اليوم، هي أبدعت حين أوقفت سقوط مزاجي لقعر الهاوية منذ الصباح، وانتشلته إلى مستوياتٍ أعلى. لكني لم أكن - أو حتى صرت - مهتماً بالتقرب منها، أو مخالطتها، فخبرتي الضيئلة في هذه الحياة، علمتني أن الأشياء التي تغذي أفكاري، وتمطر سهول أحلامي الغضه، فتشعلها خضرة وربيعاً ، يجب أن تبقى بعيدةً عن متناول يدي، حتى لا تفقد سحرها ورونق غموضها.
لذا أنا جئت هنا اليوم لأأقول:
شكراً لك أيتها السمراء المجهوله، فبابتسامتك استعدت شيئاً من كياني الذي فقدت منذ أمدٍ طويل.
شكراً لك أيتها السمراء المجهوله، فبابتسامتك استعدت شيئاً من كياني الذي فقدت منذ أمدٍ طويل.
كتبت تعليق و مش عارفه انبعت او لأ
ReplyDeleteما حعيده :)
الخلاصة...جميل ;)
@Whisper
ReplyDeleteلووول
ما وصلني ,, بس أنا بقدر بسهوله احدد محتواه
"remember the telepathy thingy?"
:D
الخلاصه .. شكراً عزيزتي الصديقه
:)